
توجهت استثمارات البنوك والمؤسسات المالية بشكل واضح للبحث عن فرص استثمارية في الصكوك (البديل الإسلامي للسندات التقليدية)، وحيث إن الهدف من السندات -في العادة- هو إقراض مصدر السند قرضاً مقابل إصدار سندات يحصل بموجبها حملة السندات على فائدة في آخر المدة بالإضافة إلى رأس مالهم، فقد صممت أكثر هياكل الصكوك لتؤدي أغراضاً شبيهة بهذه الصورة ولكن بطرق إسلامية ويكون ذلك عادة من خلال وضع أصولٍ أو مشاريع بنية تحتية تكون هي محل الصكوك، وبهذا يصبح تداول الصكوك ممكناً شرعاً، وتكون أرباح حملة الصكوك ناتجة عن تلك الأصول، ومثل هذه الصكوك تهيكل غالباً على أساس المشاركة أو المضاربة أو الإجارة.
وبما أن محور الحديث سيكون هنا عن صكوك المرابحة وإمكانية تداولها، فلا بد من إعطاء تصور بسيط عنها، إذ إن صكوك المرابحة لا تكون مبنية على أصول أو مشاريع، بل يكون محل الصكوك هو الدين. وتتلخص فكرة صكوك المرابحة على النحو الآتي:
- يقوم حملة الصكوك –من خلال وكيل حملة الصكوك (والذي يكون بنكاً في العادة)- بشراء سلع من موردين مثل سوق لندن للمعادن أو بورصة سوق السلع الماليزي، وذلك بثمن حال.
- يبيع حملة الصكوك هذه السلعة على مصدر الصكوك بثمن مؤجل وربح محدد لمدة 7 سنوات مثلاً.
- يصدر مصدر الصكوك صكوكاً لصالح حملة الصكوك تثبت مديونية مصدر الصكوك لحملة الصكوك، ويذكر في الشهادة قيمة الدين الذي سيتم سداده ومدة ذلك.
- يبيع مصدر الصكوك السلعة على مورد آخر، أو في حال كانت السلعة من بورصة سوق السلع الماليزية فتباع في نظام البورصة بحسب الطلب والعرض، وذلك بثمن حال، ويستخدم مصدر الصكوك هذا المال في مشاريعه.
وكما يتبين –من المثال أعلاه- فإن صكوك المرابحة لا يمثلها إلا دين وحيث إن الرأي الأغلب يقف على تحريم بيع الدين بسعر حال أقل عنه، فإن هذا يؤدي إلى عدم قابلية تداول الصك بين الأفراد، وقد تكلم الفقهاء عن هذه المسألة قديما، وأشبه أمر لهذا المثال هو ما ورد عن "بيع الجامكية" والجامكية هي صك بمبلغ معلوم وأجل معين تقرره الدولة للرجل عطاء من بيت المال. فإذا احتاج مالك الجامكية إلى دراهم معجلة قبل أن تخرج الجامكية فيقول له رجل بعني جامكيتك التي قدرها كذا بكذا )أنقص من حقه في الجامكية( فيقول له بعتك، وحيث إن الجامكية عبارة عن مبلغ تلزم الدولة به نفسها فهو كالدين في الذمة. وقال ابن عابدين في الدر المختار ببطلان بيع الجامكية، ومثل ذلك في إعلاء السن. ولهذا نلاحظ تجنب الجهات المعنية هيكلة الصكوك على أساس المرابحة، لرفض الهيئات الشرعية لمثل هذه الصكوك، كما أصبحت بعض الجهات تضم منافع غير مقصودة بذاتها إلى دين المرابحة حين إنشاء الصك مع تغليب هذه المنافع على الدين بحيث تُجعل نسبة المرابحة 49% من نسبة الصكوك، وتكون 51% من نسبة الصكوك المتبقية أصولاً ومنافع، وذلك ليقبل تداولها شرعاً، ويشار هنا إلى أن بعض الهيئات الشرعية تجيز ذلك، ولكن أغلب الهيئات الشرعية لا ترى جواز هيكلة صكوكٍ على هذا الأساس لما تتضمن عليه صورة هذه الصكوك في العادة من ضمان عوائد الصكوك ككل بما ينتج عن المرابحة فقط والتي تمثل 49% فقط، سواء أكانت هذه الأعيان التي تمثل 51% من قيمة الصكوك تدر ربحاً أو تجلب خسارة.
الحل المقترح:
إن الحل لتداول صكوك المرابحة والتي تمثل ديناً بنسبة 100% هو تضمين سلعة في الوسط، وذلك على النحو الآتي:
- يتم التنسيق مع وكيل حملة الصكوك ليقوم بالإجراءات أدناه وكالة عن المستثمر وحامل الصك وذلك لعدم تمكنهما من مباشرة ذلك العمل بنفسيهما.
- يشتري المستثمر -الراغب في تملك الصك- سلعاً من بورصة سوق السلع الماليزية بثمن حال.
- يقوم المستثمر ببيع السلعة على حامل الصك بثمن مؤجل بنفس المدة والقيمة المؤجلة المدفوعة في الصك.
- يقوم حامل الصك بإحالة المستثمر إلى مصدر الصكوك ليستوفي دينه، وذلك بتمليك المستثمر الصك ليستوفي منه مبلغ دينه القائم على حامل الصك
- يصبح الصك ملكاً للمستثمر، ويقوم حامل الصك القديم ببيع السلعة بالسوق بثمن حال ليحصل على النقد.
تم اختيار بورصة سوق السلع الماليزية في المثال أعلاه لأنها تتيح إجراء عمليات بأسعار قليلة قريبة من أسعار الصكوك عادةً، كما أن إجراءات البيع والشراء في هذه البورصة تعد سهلة ويسيرة أيضاً، وبهذا يكون ذلك حلاً أفضل استخدام أدوات أخرى كالأسهم أو غيرها والتي يصعب تطبيقها مع زيادة حجم المخاطرة في التعامل من خلالها، والله أعلم.
محمد بيانوني
مستشار شرعي، ومطور منتجات مالية إسلامية.





علِّق